محمود محمود الغراب
9
الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر
ولما لم يتمكن أن يكون كل إنسان له مرتبة الكمال المطلوبة في الإنسانية - وإن كان يفضل بعضهم بعضا - فأدناهم منزلة من هو إنسان حيواني ، ويشارك الإنسان الكامل بالصورة الإنسانية ، وأعلاهم من هو ظل اللّه ، وهو الإنسان الكامل نائب الحق ، الذي يكون الحق لسانه وجميع قواه ، وما بين هذين المقامين مراتب ، ففي زمان الرسل يكون الكامل رسولا ، وفي زمان انقطاع الرسالة يكون الكامل وارثا ، ولا ظهور للوارث مع وجود الرسول ، إذ الوارث لا يكون وارثا إلا بعد موت من يرثه ، فلم يتمكن للصاحب مع وجود الرسول أن تكون له هذه المرتبة ، فلا تطمع في تخصيصك بشريعة ناسخة من عنده ، ولا في إنزال كتاب ، فقد أغلق ذلك الباب ، فإن نهاية الولي أن يشرف على خطاب شريعة نبيه ، وتزول القدم من قدامه ، فتكون له درجة ميراث النبوة في أخذ الشريعة التي هو عليها ، لا شريعة ناسخة لها ، فتبقى الشريعة عليه محفوظة ، ويعلو سنده فيها ، إذ كان محمد صلى اللّه عليه وسلم لبنة الحائط ، فكل دليل على مخالفته ساقط ، فليست الصورة الإلهية لكل نفس ، وإنما هي للنفس الكاملة ، كنفوس الأنبياء ومن كمل من الناس ، والأمر ينزل من اللّه على الدوام لا ينقطع ، فلا يقبله إلا الرسل خاصة على الكمال ، فإذا فقدوا ، حينئذ أوجد ذلك الاستعداد في غير الرسل ، فقبلوا ذلك التنزيل الإلهي في قلوبهم ، فسموا ورثة ، ولم ينطلق عليهم اسم رسل مع كونهم يخبرون عن اللّه بالتنزيل الإلهي . ( ف ح 3 / 270 - ح 4 / 112 - ح 3 / 270 - كتاب الإسراء / سماء الشرطة - كتاب النجاة - ف ح 2 / 159 - ح 3 / 270 ) . الفرق بين الإنسان الكامل والإنسان الحيوان : اعلم أن جميع ما يعمله الحيوان من الصنائع وما يعلمه ، ليس عن تدبير ولا روية ، بل هو مفطور على العلم بما يصدر عنه ، لا يعرف من أين حصل له ذلك الإتقان والإحكام ، كالعناكب والنحل والزنابير ، بخلاف الإنسان فإنه يعلم أنه ما استنبط أمرا من الأمور إلا عن فكر وروية وتدبير ، فيعرف من أين صدر هذا الأمر ، وسائر الحيوان يعلم الأمر ولا يعلم من أين صدر ، وبهذا القدر سمي إنسانا لا غير ، وهي حالة يشترك فيها جميع الناس إلا الإنسان الكامل ، فإنه زاد على الإنسان الحيواني في الدنيا بتصريفه الأسماء